القائمة الرئيسية

الصفحات

دراسة تفكيكية لتهافت الخطاب التربوي المأزوم . نوال السباعي

 


قراءة وفهمٌ مضيءٌ ،لذي أفقٍ ونطاقٍ استراتيجي ، لو تجاذبناه ، لكان طوق نجاة ونهج خلاص ونهوض :


العنوان الرئيسي: 1095 يوماً، وإن كانت السنة كبيسة 1096


(( دراسة تفكيكية لتهافت الخطاب التربوي المأزوم

مِن رفضِ «عصا التأديب» إلى مُساءلة العقلية التي تُسوِّغ تحويل اجتهادٍ بشري ضيّق إلى حكمٍ مُلزِم باسم الله ..

  

الملخص:
تتناول هذه الدراسة التفكيكية المقتضبة المرتكزات الجوهرية للمنظومة التربوية الإسلامية، ردًّا على دعواتٍ صدرت عن بعض أعضاء مجلس الشعب السوري لإعادة تفعيل عقوبة الضرب في المدارس وتقنينها، وتفنيدًا لمقولة «تأنيث التعليم» وما تنطوي عليه من انتقاصٍ من دور المعلّمات. وتعتمد الدراسة منهجًا استقرائيًّا تحليليًّا في مناقشة هذه الأطروحات وتفكيك أسانيدها.

أولًا: تأصيل الميزان القرآني والنبوي القائم على الرفق والرحمة، واستعراض عددٍ من الوقائع الدالّة عليه من السيرة النبوية.

ثانيًا: تفكيك حديث الضرب، وبيان دلالته وحدوده الفقهية والتربوية، وما يتضمّنه من اشتراط بناءٍ نفسي وتربوي ممتدّ ثلاثة أعوام قبل ورود الإذن التأديبي المشروط.

ثالثًا: دحض مقولة إن غلبة المعلّمات على قطاع التعليم تُضعف شخصية الجيل، استنادًا إلى شواهد من التاريخ الإسلامي تثبت الأثر الحاسم للنساء في تربية كبار القادة والعلماء وصناعة شخصياتهم، فضلًا عن إبراز الدور الهائل الذي اضطلعت به المرأة السورية في ثورة شعبها على الظلم والقهر والاستعباد.

وتخلص الدراسة، استنادًا إلى لغة الأرقام، إلى أن آيات الأخلاق والقيم والرفق تشكّل نحو ربع القرآن الكريم، بما يعادل أحد عشر ضعفًا لآيات العبادات؛ الأمر الذي يكشف موقع الأخلاق المركزي في المنظومة الإسلامية. كما تؤكد أن الشعوب لا تنهض بإذلال أطفالها ونسائها، وإنما بتربية أبنائها على العزّة واحترام الذات وصيانة الكرامة. فكيف بنا ونحن نتعامل مع جيلٍ خارجٍ لتوّه من جحيم حربٍ طاحنة شُنّت على ثورة شعبه؛ ثورةٍ كان من أول أهدافها استرداد المواطنين حريتهم وكرامتهم، أولئك المواطنين أنفسهم الذين يدّعي أعضاء هذا المجلس تمثيلهم والتحدّث باسمهم؟!

في الوقت الذي يتجاهلون فيه ما جسّدته الثورة من تطلّعات الشعب إلى الحرية والكرامة والاِنعتاق، وما قدّمته من برهانٍ سوري حيّ على الدور الجوهري للمرأة في بناء هذا الجيل وصناعة صموده؛

وتكمن المفارقة الفادحة في أنها تصدر عمّن يتحدثون من داخل مجلسٍ "مُعَيَّن"، يُفترض أنه ثمرةٌ من ثمار ثورتنا العظيمة، وأنه يستمدّ منها مشروعية وجوده "المؤقت".

تمهيد:
تابعتُ باستنكارٍ ما دار مؤخّرًا تحت قبّة مجلس الشعب السوري من نقاشات ومداخلات مؤسفة حول واقع التعليم؛ إذ طالب بعض المحسوبين على المنظومتين التشريعية والتربوية بإعادة تفعيل «عقوبة الضرب» في المدارس وتقنينها، زاعمين ــ بجهلٍ فاضح ــ أن تعنيف الطلاب «سُنّة نبوية تربوية». ثم أتبعوا ذلك بنبرةٍ ذكورية متهالكة تنتقص من دور المرأة والمعلّمات في بناء شخصية الجيل، بدعوى أن غلبة حضورهن في قطاع التعليم تُضعف هيبة المدرسة، وأن «تأنيث التعليم» ينعكس سلبًا على التنشئة!

وإنه لطرحٌ شديد الغرابة أن يصدر في مجلسٍ تشريعي غير مُنْتخب، في بلدٍ ما يزال يعيش في خضمّ "حالةٍ ثورية" مزلزلة؛ طرحٌ يحاول شرعنة القمع وإذلال الأجيال في وطنٍ خارجٍ لتوّه من مَطحنةٍ تجرّع فيها شعبه صنوف القهر والفظائع والويلات، وهو يشقّ طريق تحرّره وخلاصه من العصابة التي أذاقته مُرّ الهوان.

وأقول: إنه طرحٌ شديد الغرابة أيضًا قياسًا بما قدّمته المرأة السورية في هذه الثورة؛ فقد خدمتها بكل ما استطاعت، وشاركت مشاركة فاعلة في ميادين التظاهر والاحتجاج، والطبابة والإغاثة والتعليم، وبذلت المال والجهد، بل حملت السلاح حين اقتضى المقام. ناهيك عن الضريبة الباهظة التي دفعتها نساء سورية من دمائهن وجراحهن وعذاباتهن، ومن أجسادهن وكرامتهن التي استباحها المجرمون، في سبيل الخلاص.

ولعلّ أحدنا يسأل: مَن خرّج هذه الأجيال الثائرة من الشباب الذين تربّوا في حلقات القرآن في مساجد سورية غير نسائها؟ مَن ربّى أولئك الشباب الشجعان الذين تقدّموا الصفوف بأكفّهم وصدورهم العارية، في مواجهة واحدٍ من أعتى الأنظمة القمعية الدموية في العالم؟ ومَن ربّى الآلاف المؤلّفة من المعتقلين والمعتقلات الصابرين المحتسبين، الذين أُخضعوا لصنوفٍ من العذاب لا يكاد بشرٌ يتخيّلها، في محاولةٍ لاستلاب إرادتهم وتحطيم أرواحهم، فلم يتنازلوا عن ثورتهم؟

ومَن ربّى مئات الآلاف من الشهداء والشهيدات الذين بذلوا دماءهم وأشلاءهم وحياتهم في سبيل الله، وإنقاذًا لشعبهم المغلوب على أمره؟ ومَن ربّى تلك الجموع التي خرجت في أنحاء سورية كلّها تتظاهر ضدّ ذلك النظام المجرم؟ بل مَن ربّى أولئك المقاتلين الأشدّاء الذين باعوا أنفسهم لله، وصمدوا أعوامًا في وجه الحصار والحقد، وفي مواجهة أعتى جيوش المستعمرين والمستوطنين وميليشيات القتلة التي زحفت على سورية للجم ثورتها؟

أكان الرجال وحدهم هم الذين ربّوا هؤلاء في البيوت والمدارس؟ أم أن مشاركة المرأة السورية الهائلة في الثورة لا تُؤخذ في الحسبان، ولم يعد لها الآن، في نظر هؤلاء القوم، قدرٌ ولا اعتبار؟!

وينبغي التنويه هنا إلى أن مسألة «تأنيث التعليم وتطييفه» لتوظيف قطاعات واسعة من النساء المنتميات إلى «حاضنة الأسد»، تختلف جذرياً عن الطرح الذي تقدم به عضو مجلس الشعب؛ إذ لم يتطرق النائب إلى تفكيك المسألة من هذا المنظور، بل اقتصر حديثه على «غلبة النساء على قطاع التعليم» معتبراً إياها سبباً رئيسياً في هشاشة الأجيال. وبناءً عليه، يقتصر ردي في هذه الرسالة على معالجة هذا الجانب من الطرح فحسب.

---

تضع هذه الدراسة المُختصرة النقاط على الحروف، وتقارع الحُجة بالحُجة، لتكشف عُوار هذا الاِجتزاء الفقهي والتربوي من خلال محاور أساسية.

أولاً: الميزان القرآني والأصول الثابتة في سيرة المصطفى r  :

إن المدخل الحقيقي لفهم روح الإسلام هو الاِستقراء الشامل لنصوص الوحي، وليس تتبع المُتشابه أو اِنتزاع الأحاديث من سياقاتها لِشرعنة القسوة والعنف.

 

1. المُحْكَم من كتاب الله:

في القرآن الكريم ما يزيد عن عشرة مواضع محكمة تؤصل لمنهج اللين والدَّفع بالتي هي أحسن كأصل صلب في الخطاب والمعاملة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]، وقوله عز وجل لنبيه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159]، بل إن الأمر باللين جاء حتى مع أعتى طغاة الأرض حين قال الله لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: 44].

 

2. القواعد التأسيسية للرفق في السنة:

جاءت الأوامر النبوية الصريحة لتجعل من الرفق معياراً للخيرية والجمال الإنساني، ومنها قوله ﷺ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ»، وقوله: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ كُلَّهُ»، وتأكيده للصحابة: «فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِين».

 

3. الوقائع الميدانية التطبيقية من السيرة:

لم يكن اللّين عند رسول الله ﷺ مجرد وعظ خطابي، بل كان مسلكاً يومياً شهدته مواقف استثنائية ميدانية:

- مع الجاهل المندفع: في واقعة الأعرابي الذي بال في المسجد، حيث همّ الناس به وزجروه، فكفّ النبي ﷺ غضبهم قائلاً: «دَعُوهُ وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ» ، ثم دعاه بكل أمان وشرح له حرمة المساجد باللين حتى دعا الأعرابي: "اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً".

- مع المذنب الشاب: في قصة الشاب المستأذن في الزنا، فقال له النبي ﷺ بكل عطف واحتواء نفسي: «ادْنُهْ»، وقرّبه وحاوره بالمنطق العاطفي العائلي الرفيق: «أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟.. أَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟..»، ثم وضع يده الشريفة على صدره ودعا له حتى خرج وما من شيء أبغض إليه من الزنا.

- مع المخالف المعتدي: حين دخل رهط من غير المسلمين وقالوا بلفظ ملتوٍ: "السام عليكم" (أي الموت لكم)، فغضبت عائشة وردت بعنف، فكبح النبي ﷺ غضبها قائلاً: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ»،

---

 

ثانياً: تفكيك حديث "الضرب" وبيان الغاية التربوية والحد الشرعي

يتشبث أدعياء العصا والترهيب بحرص مفرط بحديث واحد مُجتزأ من سياقه التربوي العام: «وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ»، مُسقطين منه السياق البنيوي التدريجي والضابط الفقهي التنبيهي:

1. الحسبة التربوية الفائقة (ثلاث سنوات من البناء النفسي):

السياق النبوي الكامل يقول: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ». الفارق الزمني هنا هو ثلاث سنوات كاملة (1095 يوماً، وإن كانت السنة كبيسة 1096 يوماً) من العناية والرعاية والتحبيب والترغيب والمتابعة والتربية بالقدوة. وإذا كانت الصلاة تؤدى خمس مرات في اليوم، فهذا يعني أن الأب والأم يأمران الطفل باللين والتلطف ما يقارب 5500 مرة دون مدّ يد أو رفع صوت!

بعد هذا الحجم الهائل من بذل الجهد بالتي هي أحسن، ومنح الطفل الأمان النفسي اللازم؛ إن لم يُؤدي الطفل في العاشرة، صلاته، فإن العقوبة التنبيهية تأتي لتربط الأمر بالجدية، ولا تأتي لتفريغ شحنات الغضب أو التشفي والسادية.. وتأتي بعد أن يكون المربي قد أعذر إلى الله فيما قدم من جُهد في سبيل تعليم الولد الصلاة وتربيته على الحفاظ عليها.

 

2. الحد الشرعي والفقهي للضرب (السواك والمنديل):

حين فسر الصحابة والأئمة معنى الضرب في الشريعة، جردوه من العنف والإيذاء الجسدي وجعلوه رمزياً نفسياً:

- ترجمان القرآن ابن عباس: سُئل عن الضرب غير المبرح كيف يكون؟ فقال: «هُوَ الضَّرْبُ بِالسِّوَاكِ وَنَحْوِهِ» (عود خشب صغير بحجم الأصبع لا يؤلم جسداً بل ينبه وجداناً).

- الإمام الشافعي وفقهاء المذاهب: أكدوا أنه ضرب تأديب رمزي، يُنهى فيه نهياً قاطعاً عن ضرب الوجه أو المقاتل، ولا يجوز أن يترك أثراً، ولا أن يكسر عظماً، ولا أن يخدش جلداً، ويكون بـ "منديل ملفوف" أو بالسواك.

فكيف يُقاس هذا التوجيه النفسي الرقيق على هراوات القمع والجلد والتعنيف الذي يمارسه الفاشلون تربوياً في المدارس؟!

---

 

ثالثاً: التعامل الرفيق مع الأطفال كأصل أصيل في التربية النبوية

إن التعامل الرفيق مع الأطفال هو أصل ثابت وركيزة أساسية في المنهج النبوي؛ فالطفل يحتاج إلى بناء نفسي سليم يقوم على المحبة والرحمة، لا على الخوف والترهيب والضرب المُعطل للملكات النفسية والعقلية.

 

1. رحمة الصغار شرط الانتماء للمنهج النبوي:

جعل النبي ﷺ رحمة الأطفال معياراً لهوية المسلم وعلامة على التزامه بالهدي الشريف، حيث قال ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا» (رواه الترمذي وصححه الألباني). وفي هذا زجر بليغ ونفي للاقتداء التام عمن يجفو قلبه عن رحمة الصغار.

 

2. المودة والاحتواء كبديل للقسوة والتعنيف:

لقد ذمّ النبي ﷺ الأساليب الجافة التي تخلو من المظاهر العاطفية والرفق؛ فقَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا! فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ» (رواه البخاري ومسلم).

 

3. شهادة عملية من حاضنة التربية النبوية:

أنس بن مالك رضي الله عنه صاغ وثيقة تربوية تاريخية محفوظة في الصحيحين قال فيها: «خَدَمْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ، وَلَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ؟ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ؟». إن هذا النص يسقط كلياً مبررات الضرب والتعنيف اللفظي، ويثبت أن الرفق والاحتواء هما قوام الشخصية السوية.

---

 

رابعاً: حجور النساء ومدرسة العظماء (تفكيك مقولة "تأنيث التعليم")

أما الزعم المتخلف بأن غلبة المعلمات أو "تأنيث التعليم" يضعف شخصية الطفل ويهدم الهيبة، فهو عمى ثقافي وتاريخي ومصادمة لواقع صناع الحضارة الإنسانية والإسلامية الذين نبتوا في مدرسة النساء.

 

1. سيد الخلق تخرج من "مدرسة النساء":

إن أعظم شخصية غيرت مجرى التاريخ، شخصية المصطفى ﷺ، صُنعت طفولتها وهيبتها بالكامل في حجور النساء؛ فقد توفي والده قبل ولادته، وتنقل بين خمس نساء صغن روحه وعقله باللين والرحمة: أمه آمنة بنت وهب، مرضعته حليمة السعدية، مربيته ثويبة الأسلمية، مربيته أم أيمن (بركة الحبشية) التي قال عنها: «أُمِّي بَعْدَ أُمِّي»، وفاطمة بنت أسد (زوجة عمه أبي طالب) التي بكاها نبي الأمة بكاءً مراً وقال: «إِنَّهَا كَانَتْ أُمِّي الَّتِي وَلَدَتْنِي».

 

2. أئمة الفقه وحراس السنة "صناعة نسائية خالصة":

من أركان العلم المعرفي الذين نبتوا يتامى في أحضان أمهات أرامل واجهن ظلمات الحياة وصنعن رجالاً أعزاء باللّطف والرحمة واللين، دون هراوات وقمع، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر:

- الإمام الشافعي: مات والده رضيعاً، فكفلته أمه "فاطمة الأزدية" وهاجرت به وحيدة من غزة إلى مكة، وربّت للأمة الرجل الذي وصفه الإمام ابن حنبل بأنه " كالشمس للدنيا وكالعافية للناس".

- الإمام أحمد بن حنبل: توفي والده وهو ابن ثلاث سنوات، فربته أمه "صفية بنت ميمونة الشيبانية"، ويقول الإمام أحمد عنها إنها كانت تحفظه القرآن وتوقظه للفجر وتحمي له الماء في ليالي بغداد الباردة وترافقه للمسجد لظلمة الطريق.

- الإمام البخاري: مات أبوه صغيراً، وأُصيب بالعمى، فظلت أمه تبكي وتتضرع حتى رد الله عليه بصره، ووهبت حياتها لتمويل رحلاته الحديثية حتى صار أمير المُحدثين.

- الإمام مالك بن أنس: الذي طوقته أمه بالعمامة والثياب وهي تقول له: «اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه».

- الإمام سفيان الثوري: الذي قالت له أمه: «يا بني، اطلب العلم وأنا أكفيك بمِغزلي».

 

3. قادة الفتوح العسكرية وهيبة الدول والمعلمات بالمئات:

- محمد الفاتح: بدأ تربيته العسكرية من أمه؛ حيث كانت تأخذه وقت الفجر، وتقف به أمام أسوار القسطنطينية وتشير وتقول: «أنت يا محمد تفتح هذه الأسوار، اسمك محمد كما قال رسول الله ﷺ»، فغرست في وعيه عقيدة الفتح حتى حققها وعمره 21 عاماً.

- معاوية بن أبي سفيان: صنعته أمه "هند بنت عتبة" التي قيل لها في صغره: "إن عاش معاوية ساد قومه"، فقالت بأنفة: «ثكلتُه إن لم يَسُد إلا قومه! بل يسود العرب والعجم!».

- عبد الله بن الزبير: الذي قوّت قلبه وثبتت روحه أمه "أسماء بنت أبي بكر" (ذات النطاقين) بكلماتها التاريخية: «امضِ على حقك، فإما عزة وإما شهادة».

- كبار مؤرخي ومحدثي الإسلام كانت مشيختهم نسائية بامتياز؛ فالإمام ابن النجار تلقى العلم والإجازة على يد 400 معلمة وعالمة من نساء عصره! والحافظ ابن عساكر درس على بضع وثمانين امرأة، والحافظ ابن حجر العسقلاني درس على أكثر من 50 عَالِمة. بل إن الفيلسوف الفقيه الإمام ابن حزم الأندلسي يعترف في كتابه "طوق الحمامة" بنشأته الخالصة في طفولته بين النساء في قُصور قرطبة ويقول: «هن علمنني القرآن، وروينني كثيراً من الأشعار، ودربنني في الخطّ».

ولا ننسى القيادة المدنية الميدانية؛ فقد ولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصحابية الكاتبة العالمة "الشفاء بنت عبد الله القرشية" نظام "الحسبة" والإشراف على السوق ومراقبة البيوع والأسعار في المدينة، فكانت تُدير شؤون المجتمع بكفاءة عالية.

وأمثال ذلك في تاريخنا لا تُعد ولا تُحصى.

---

 

خامساً: مأزق «الكيف» في فهم الشريعة، وتفكيك إشكالية تطبيقها

إن المعضلة الكبرى في طروحات بعض أعضاء البرلمان السوري -ومن قَبْلِهم التنظيمات المتشددة التي عاثت فسادًا في مسار الثورة- لا تتعلق بالمرجعية الدينية الثابتة، بقدر ما تتعلق بـ “الكيفية" التي تُفهم وتُترجم بها هذه المرجعية، ثم يتم "تُنزل" على واقع بشري وتاريخي وسياسي مُتَبدل وغير ثابت.

ليست المشكلة في الإقرار بضرورة "العودة إلى الله"، بل في "الكيفية" التي نعود بها إليه سبحانه؛ وهي مسألة شديدة التعقيد وقعت في مأزقها معظم الجماعات الإسلامية المُعاصرة، سياسيةً كانت أم دعويةً أم عسكرية.

 

فلا يتعلق الأمر بمجرد رفع شعار "تطبيق شرع الله"، ولكن بفهمنا لما يعنيه مصطلح " تطبيق شرع الله"، وبالجهة التي تملك حق تعريفه وتحويله إلى قوانين ملزمة.

ولا تكمن المشكلة في المناداة بأن "القرآن دستورنا"، بل في عجز أصحاب هذا الخطاب عن بيان الكيفية التي يمكن بها لكتابٍ إلهي رباني مُنزل لكافة البشر في كل أزمنتهم وعلى اختلاف أحوالهم، أن يتحول إلى "دُستورٍ مُقننٍ" في دُولٍ ومجتمعات دائبة التغير وقابلة للزوال؟

هذه هي المعضلة الأساسية، كيف يمكن القيام بهذا الأمر من غير اختزالٍ للقرآن في موادّ قانونية جامدة، ولا احتكارٍ لمعانيه الواسعة في فهم جماعة أو سلطة أو حزب.

وبتفكيك هذه الإشكالية يمكن محاصرة الاستغلال السياسي والأيديولوجي لهذه المقولات والشعارات، ومنع تحويلها من إعلانٍ للانتماء إلى المرجعية الإسلامية إلى أداةٍ لاحتكار الدين، وتوظيفها لفرض اجتهادٍ بشري مخصوص باسم الدين.

ويتمثّل عمق الأزمة اليوم في عجز الأمة عن إيجاد هيئة علمية مستقلة ومحترمة وموثوقة، تضمّ صفوةً مختارة من علماء الشريعة والقانون والاجتماع والسياسة وسائر حقول المعرفة المتصلة بحياة الإنسان؛ لتبحث في وضع أسسٍ منهجية واضحة لفهم هذه المصطلحات، واستنباط ما يلائم عصرنا من مرجعيتنا الدينية، وتنزيله على حياة الناس من غير أن يتحوّل الدين إلى أداةٍ للظلم والقهر، مع الصون الكامل للكرامة الإنسانية، والتمييز الدقيق بين مقتضيات المجال العام ومساحة الحرية الشخصية.

وهذا يطرح جملةً من الأسئلة الاستراتيجية البالغة الأهمية، ولا سيما في سياق الرد على الداعين إلى استعمال الضرب وسيلةً تربوية:

• مَن يملك حق تحويل اجتهادٍ بشري في فهم الشريعة إلى قانون ملزم للناس؟

• كيف نفرّق بين القطعي والاجتهادي، وبين المقصد والوسيلة، وبين الحكم الشرعي وطريقة تطبيقه وتنزيله على الواقع؟

• كيف نميّز بين الشريعة بوصفها مرجعيةً إلهية، وبين البناء الفقهي والقانوني التاريخي الذي أنتجته مجتمعات المسلمين في ظروفها المختلفة؟

• ما الفرق بين ما يلتزم به الإنسان تعبّدًا واختيارًا، وما يمكن للدولة أن تجعله موضع إلزامٍ قانوني؟

• ما حدود سلطة الدولة في تنظيم السلوك الفردي؟ وما الذي يدخل في حماية الحقوق والمصلحة العامة، وما الذي يبقى في دائرة الاعتقاد والتعبّد والاختيار الشخصي؟

• وهل يمكن للتشريع وحده أن يبني مجتمعًا صالحًا، من غير تمهيدٍ معرفي وتربوي، ومن دون نشر ثقافة الدين والعمل على إعادة تربية الفرد والمجتمع على أسس الإيمان والأخلاق؟

 

في حياتنا المعاصرة، التي نعيش فيها تحت ثقل ركام ثقافات متعددة، وبقايا حضارات تعرّضت للهدم، لا تتركز المشكلة في "الأصول" الثابتة، بل في "الكيف" الذي تترجم به هذه الأصول إلى خطط عمل واقعية فاعلة ومقبولة؛ دون أن نحشر المرجعية الواسعة في ثقب إبرة فهمٍ ضيق لِفِئة قليلة منبتّةٍ عن الواقع، قاصرة عن حُسن الفهم عن الله ورسوله؛ ودون أن نختزلها في قوانين لا تلبي حاجة المجتمع، أو استعمالها ذريعةً لحمل الناس بالقوة على التزام مظاهر دينية معيّنة.

ومن العجائب، ما رسخ في أذهان بعض من يجلسون تحت قبة هذا البرلمان المفروض على الشعب باِسم الثورة، ولدى فئات ممن هُم خارجه كذلك، أن من وظائف السلطة تحويل التديّن الشخصي والتربية العائلية إلى مجال للرقابة والإكراه، واختزال الدعوة إلى إقامة المجتمع الصالح في مراقبة المظاهر التعبدية والسلوكية الفردية والجماعية، عبر بوابات القمع والضرب والعقاب. وهذا مأزق إيماني أخلاقي وفكري مدمّر.

وهو ذات الفخ الذي وقعت فيه الجماعات المسلحة التي حاولت تطبيق "الشرع" بمنطقها الضامر الخاص وبمنطق "شرعيين" لا يكاد بعضهم يفقه شيئًا من مقاصد الشريعة، ولا من ملابسات أحكامها، وشروط تطبيقها على الناس. وحتى مَن ألمّ منهم ببعض هذه المعارف، لم يكن بالضرورة يمتلك رؤيةً حضارية إنسانية أخلاقية للإسلام، ولا وعيًا بتعقيدات الواقع الذي أراد إخضاعه لاجتهاده القاصر.

وفي هذا تكمن مصيبتنا الكبرى اليوم.
إن إقامة الشرع، في معناها الحق، لا يمكن اختصارها في إلزام الناس بالمظاهر والعبادات، ولا في التباكي على «عصا التأديب»؛ بل تبدأ بإقامة العدل، وصيانة الدماء والأعراض والحقوق، ورفع الظلم، وحفظ كرامة الإنسان، ونشر روح الإسلام الحضارية الإنسانية الأخلاقية الربانية، التي تجسّد معنى الرحمة للعالمين.

وهذا يقتضي بالضرورة تفقّهًا عميقًا في المعاملات ومقاصد التشريع، وتعلّمًا للأخلاق واجتهادًا في التأدّب بها، ووضع قواعد علمية ومنهجية واضحة لما يعنيه «تطبيق شرع الله»؛ بعيدًا عن القهر والجهل، وعن احتكار الدين وتسخيره لتبرير نزعات السلطة وأهواء المتسلّطين.

------------------------------

 

سادساً: لغة الأرقام والمآلات: الأخلاق الشطر الأعظم في البناء القرآني

إن تفكيك هذه الخطابات الغريبة والمحدودة الرؤية والمُتخلفة عن روح الإسلام كما عن العصر الذي نعيش فيه، وسدّ الطريق أمام هذه المجموعات التي تريد "أسلمة" المسلمين من وجهة نظرها القاصرة وبالقوة والقهر، والذي بعضه اِدعاء تأصيل نظراتها القاصرة هذه بالكتاب والسُّنة، يتطلب وقفات جادّة من علماء المسلمين وفقهائهم ومُفكريهم، كما يتطلب القيام بالدراسات اللازمة لردّ هذه الهجمة بالغة الخطورة على الإسلام والمجتمعات المسلمة، وبِاسم الإسلام نفسه، كما يتطلب اِستنفار كافة القوى الإسلامية العلمية، لردّ الأمور إلى نصابها، ووقف هذه "المصائب" الفكرية والثقافية التي ما فتئنا نعانيها منذ اِندلعت الثورة، والتي كانت في حقيقتها إحدى أهم المرايا التي تعكس أبعاد الجهل والتنطع والاِرتكاس الذي بَلَغَته فئات من شعوبنا بعد عقود من اِستلاب هوية هذه الشعوب وإرادتها.

وفي هذا السياق وبالعودة مجدداً إلى البنية الإحصائية للقرآن الكريم، يمكننا الكشف عن الاِهتمام البالغ الذي أولاه كتاب الله للمعاملات والأخلاق، بل لقد تعامل القرآن الكريم مع القيم الأخلاقية كأولوية تشريعية كبرى:

قراءة إحصائية لآيات حسن التعامل بالحسنى والأخلاق في القرآن:

  ففي الحين الذي بلغ فيه مجموع آيات القرآن الكريم (6236 آية)، نجد ملمحاً دلالياً حاسماً عن مقاصد هذا الدين، وروحه الأخلاقية، التي فهمها السلف، وأُُغلقت على كثير من المسلمين اليوم.

إذ نجد أن:

آيات العبادات، لا تزيد عن (130 آية) فقط، وهو ما يعادل نحو 2% من المجموع الكلي للقرآن.

بينما آيات الأخلاق والمعاملات وبناء الإنسان: تبلغ (1504 آيات) تقريباً، وهي تشكل ما نسبته 24% من حجم القرآن؛ أي ما يعادل ربع القرآن الكريم، وبحسبة رياضية واضحة تعادل آيات الأخلاق والمعاملات أحد عشر ضعفاً لآيات العبادات المحضة.

ومع هذ الحقيقة الرقمية، نجد أن الخطاب المُتنطع والمكروب تربوياً وتشريعياً، يورد حديثًا نبويًّا واحدًا فقط، يضخم من خلاله جزئيات وتأويلات لتبرير العنف في المدارس السورية، التي شهدت من العنف خلال سنوات الحرب على الثورة، ما يحتاج إلى معالجة أجيالٍ كاملةٍ لاِستعادة عافية هذا الشعب.

يترك هؤلاء القوم المساحة الأعظم من الدين القائمة على حسن الخلق والرحمة واللين في المعاملة، ويريدون إنزال العقوبات الجسدية بأبناء شعب ما فتىء يعيش تحت القمع والاِستلاب الجسدي منذ عقود!

وهذه الإحصائيات لا تعني أن الأخلاق تُغني عن العبادات، ولكنها تعني قطعاً أن العبادات وحدها لا تصل بصاحبها من دون خُلق قرآني رفيع إلى مراتب الفلاح، ولا تنهض بالمجتمعات وحدها، والشواهد على هذا من الكتاب والسُّنة، أكثر من أن نتمكن من عدّها.

إذ يكفي هنا اِستحضار حديث المرأة التي عُذبت في هِرة حَبَسَتها.

 

الميزان الأخلاقي في النص والأثر:

  يقول النبي ﷺ: «مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ»، ويلخص الإمام ابن قيم الجوزية هذا المفهوم بقوله: «الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ، فَمَنْ فَاقَكَ فِي الْخُلُقِ؛ فَاقَكَ فِي الدِّينِ».

------------------------------

 

سابعاً: الميزان التربوي لـ "الأفاضل" وكمال الخلق النبوي

في ختام هذه العُجالة، يظهر بجلاء تهافت الطروحات التشريعية التي تحاول زجّ العنف البدني في المنظومة التعليمية تحت غطاء ديني؛ فالأصل الثابت في الشريعة أن الضرب ينافي كمال حسن الخلق، وأن الرفق هو السمة العليا لـ "خيار الناس" وأفاضلهم.

 وإن التحقيق العلمي لمتون السنة النبوية يبين أن النهي والذم النبوي لمن يمارس الضرب ضدّ النساء أو الأطفال قد ورد بروايتين مشهورتين في دواوين السنة:

* الرواية الأولى («لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ»): أخرجها أبو داود في سننه (رقم 2146)، بسند صحيح. وفي سياقها الميداني غضب النبي ﷺ لإساءة الرجال استخدام رخصة التأديب الرمزي وتحويلها إلى وسيلة قمع، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ قاطعاً وحاسماً: «لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ». وفي هذا نفي صريح لصفة الخيرية عمن يمد يده بالأذى.

* الرواية الثانية («وَلَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ»): أخرجها ابن أبي شيبة في المصنف (رقم 25458) مرسلاً، ونصّها: «أنَّ رِجَالاً نُهُوا عَنْ ضَرْبِ النِّسَاءِ وَقِيلَ: وَلَنْ يَضْرِبَ خِيَارُكُمْ». وهو نص جازم بأن خيار الناس وأفاضلهم ممتنعون بنيوياً وأخلاقياً عن ممارسة الضرب، على الرغم من ورود نصوص تُصرح به.

فليس كلّ مُباح مُلزم، خاصة عندما تقابله أضعاف مضاعفة من النصوص الرادعة.

فتشريع العقوبة لتأديب الأفراد في اِنضباطٍ تشريعي وأخلاقي شديد، شيء، وإنزالها بالجميع دون قيد أو شرط، بل المطالبة لجعلها قانونًا ملزمًا، شيء آخر مختلف تمام الاختلاف.

 

  وبناءً على هذه الرؤية المُنبثقة من غالبية النصوص الإسلامية الثابتة، تبرز الصياغة التربوية الملائمة في ميزان الشريعة الإسلامية لاِستيعاب الفئات المجتمعية المستضعفة من نساء وأطفال، ومعاملتهم بما يليق بهم كأفراد وبشر؛ كما عاملهم نبي هذه الأمة.

الضرب أو التّعنيف، ليسا من حُسن الخُلق، سواء كان للرجل أو للمرأة أو الطفل؛ فقد كان رسول الله ﷺ النموذج الأسمى في الرفق، وطالما ذمّ العنف ﷺ.

ويتأكد هذا الرفق في حقّ الأطفال الناشئين؛ إذ جعل النبي ﷺ رحمة الصغار من منهجه الأصيل فقال: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا". (صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم : 5445).

و«مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً، وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (رواه مسلم، رقم 2328).

وكان ﷺ يعيب على من جفت قلوبهم عن الرحمة فلا يُقبلون صبيانهم، قائلاً: "من لا يَرحم لا يُرحم". (صحيح البخاري الصفحة أو الرقم: 5997).

ولنا في خادمه أنس بن مالك أسوة، وهو الذي نشأ في بيته عشر سنين فما ناله منه ضرب ولا تعنيف ولا لوم؛ مما يدل على أن ترك الضرب واِعتماد الرفق والاِحتواء هو أساس التربية النبوية الصحيحة.، والرؤية الإسلامية الثابتة لتربية النشء، فهذه الأوامر والنواهي القولية تتطابق مع التطبيق العملي في بيت النبوة، والذي لخصته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في شهادتها التاريخية القاطعة: " كان خُلُقُه القُرآنَ". (حديث صحيح. أخرجه أحمد. الصفحة أو الرقم  25813).

 

------------------------------

خاتمة: في مسؤولية الوعي وبناء الإنسان
إن المنظومة التربوية لا ترتقي بالعصا، والكرامة الإنسانية للنشء لا تُبنى بالإذلال والتعنيف البدني، وإن الرؤية الإسلامية للتربية لا يمكن أن تُحشر في حديث واحد لا يفقه من يستدل به أبعاده التربوية.

ولقد علمنا الإسلام منهج التعامل مع المرأة، والذي تجسد ليلة نزول الوحي الأولى حين جاء النبي ﷺ خديجة وجلًا مندهشًا ليلوذ بزوجته ويحتمي بها من هول ما نزل.

علمنا الإسلام أن العقول والنفوَس تُبنى بالرفق والأمان، وأن غير القادرين على الإدارة التربوية الناجحة، والذين لا يفقهون معنى "التربية" ولا خطورة دورها، في حياة ووجود هذه الأمة، هم فقط من يحتاجون لتسيير المدارس بالعصا والترهيب؛ لعجزهم عن إدارة الأمور بالمحبة والرفق والوعي.

وإن من يترك كل هذا الإرث الإسلامي الأخلاقي الإنساني التربوي الهائل، ويلوذ بحديث واحد يجتزئ منه شطره، وهو الذي تحدث فيه النبي ﷺ عن أداة تنبيهية رمزية لمن لا ينفع معه التأديب باللين والرفق والنصح ثلاثة أعوام كاملة، فيعتبره مبررا لاِستخدام الضرب بالمدارس، هو في حاجة ماسّة إلى مراجعة كاملة لفقهه وعلمه وفهمه ووعيه وبمعرفته بمقاصد الشريعة.

إن جعل النصوص الدينية ذريعة لتبرير الجهل والتراجع التربوي والتقاعس عن الفهم هو مسلك مردود على أصحابه بالدليل والبرهان، وأمام حُجج العلم والحجة الاِستقرائية، سيكون دعاة العنف دائماً هم الخاسرين.

فكيف بنا، ونحن نعيش ثورة من أهمّ وأكبر الثورات التي شهدها العالم في عصرنا هذا؟ وكيف بنا ونحن نتعامل مع شعب قدم ملايين الضحايا من الرجال والنساء والأطفال، في سبيل حريته وكرامته؟ وكيف بنا بعد كل هذه المخاضة المهولة في الدماء ونحن نريد أن نعيد شعبنا، بل والأجيال التي ولدت في عين البركان، وشهدت الويلات والفظائع، إلى حظائر الرعب والخوف اِستلاب الكرامة والحرية... وباِسم الإسلام والثورة هذه المرة!

إن هذه العجالة مجرد صرخةٌ فكرية لحماية الإنسان السوري في زمن الثورة، ودعوةٌ إلى بناء شخصيته على الحرية والكرامة اللتين ثار السوريون طلبًا لهما، وبذلوا في سبيل ذلك أرواحهم ودماءهم وعذاباتهم وكل ما يملكون، واحتملوا من الآلام والعذابات ما لا يُحتمل.

 

------------------------------


التوثيق والمصادر الرئيسية:

• جلسة مجلس الشعب السوري: الدورة الاستثنائية الأولى، الجلسة الثالثة، المنعقدة بتاريخ الاثنين 14 أيلول / سبتمبر 2026.

• إحصاء الآيات: مصحف المدينة النبوية بالعدّ الكوفي المعتمد، وانظر: "المستصفى" للغزالي (ص 342)، و"خلق المسلم" لمحمد الغزالي.

• سنن الترمذي: كتاب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الصبيان، رقم الحديث (1920).

• صحيح البخاري: كتاب الأدب، باب رحمة الولد وتقبيله، رقم الحديث (5997).

• صحيح مسلم: كتاب الفضائل، باب مباعدته ﷺ للآثام واختياره أيسر الأمرين، رقم الحديث (2328)، والبر والصلة (2594).

• سنن أبي داود: كتاب النكاح، باب في ضرب النساء، رقم الحديث (2146)، والأدب (4799).

• مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الأدب، ما قالوا في ضرب النساء، رقم الحديث (25458).)) 


ملاحظة: قام بالمساعدة في التَّنْقِيحُ البَحْثِيُّ وتوثيق الأحاديث والإحصائيات لِهَذِهِ الدِّرَاسَةِ بِالتَّقْنِيَاتِ الرَّقْمِيَّةِ مُسَاعِدِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ مِنْ Google.

نوال السباعي . كاتبة ومفكرة إسلامية

أنت الان في اول موضوع
author-img
عين على ما يحدث من أمور و سبر لما خفي بين السطور

تعليقات