لهذا أتصوّر أن النظام الإيراني، بصورته الحالية، يقترب من نهاية مرحلة تاريخية، وإن كانت طريقة النهاية وتوقيتها ما تزال مفتوحة على احتمالات متعددة. ولمن يعارض مقاربتنا حين نقارن إيران اليوم بعراق الأمس، فإن المقصود ليس القول إن التجربتين متطابقتان، ولا إن إيران هي العراق، بل إننا نقارن بين أدوات صناعة الحرب، ولغة التمهيد لها، والقاموس السياسي والإعلامي الذي يسبق لحظات التحول الكبرى.
فالتاريخ لا يكرر نفسه بالضرورة، لكنه كثيراً ما يعيد استخدام الأدوات ذاتها في جغرافيا مختلفة. ومن هنا، فإن استدعاء تجربة العراق عام 2003 ليس استدعاءً للماضي من أجل الماضي، بل محاولة لقراءة الحاضر عبر فهم الآليات التي سبقت ذلك الحدث الكبير.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم التصريحات الأمريكية الأخيرة بشأن إيران. ففي أوقات الأزمات الجيوسياسية والتصعيد العسكري، لا تبدأ المواجهة دائماً بالصواريخ أو العمليات العسكرية، بل تبدأ في كثير من الأحيان بالكلمات، وبإعادة تشكيل صورة الخصم في وعي الرأي العام، تمهيداً لسياسات الضغط الأقصى أو التدخل الخارجي.
وتلتقي التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن القيادة الإيرانية، وتحذيره من امتلاكها سلاحاً نووياً، بصورة لافتة مع القاموس السياسي والإعلامي الذي استخدمه الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن عشية غزو العراق عام 2003.
وهنا تكمن نقطة المقارنة بين إيران اليوم وعراق الأمس: ليس في افتراض تطابق الظروف أو النتائج، وإنما في رصد البنية البلاغية للخطاب الأمريكي، والآليات التي يُعاد من خلالها تعريف الخصم، وتضخيم خطره، وتقديم التصعيد ضده بوصفه ضرورة سياسية وأمنية.
هذا التناظر في البنية البلاغية يُبرز استخدام أربع دعائم رئيسية تعتمدها واشنطن عند إدارة المواجهات مع الخصوم الإقليميين:
أولاً: الفصل بين الشعوب والقيادات السياسية
يُشكّل الفصل بين النسيج الاجتماعي والقيادة السياسية للخصم الركيزة الأولى في الخطاب الأمريكي؛ إذ حرص ترامب على وصف الشعب الإيراني بأنه «قوي وذكي»، بالتوازي مع وصم القيادة بـ«الشر والعنف».
ويتطابق هذا التكتيك البلاغي مع ما أعلنه جورج بوش الابن في خطابه الموجّه إلى الشعب العراقي في 17 مارس/آذار 2003، حين قال:
«خصمنا ليس الشعب العراقي، بل النظام الديكتاتوري الشرير الذي يحكمه. العراقيون شعب عظيم وذو تاريخ مجيد، لكن القيادة المحيطة بصدام حسين قيادة مجرمة وشريرة تهدد شعبها والعالم».
ثانياً: التخويف من التهديد الوجودي و«الدمار الشامل»
تعتمد الاستراتيجية الإعلامية للبيت الأبيض على تصوير امتلاك الخصم لأسلحة غير تقليدية باعتباره «تهديداً وجودياً» لا يهدد المصالح الأمريكية فحسب، بل يهدد الاستقرار الإقليمي برمّته.
وتحذير ترامب من أن امتلاك إيران لسلاح نووي قد «يدمر الشرق الأوسط» يُعيد إنتاج خطاب بوش الشهير حول «محور الشر» في يناير/كانون الثاني 2002، وكذلك خطاب سينسيناتي في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه.
ثالثاً: شخصنة «الدور المنقذ» واستعراض القوة
يبرز في كلا الخطابين ميل واضح إلى شخصنة القرار السياسي، وإظهار الحزم الرئاسي الأمريكي باعتباره القوة القادرة على الحيلولة دون وقوع «الكارثة».
إن ادعاء ترامب أنه «لو لم أكن رئيساً لكانت إيران قد حصلت على سلاح نووي ودمّرت الشرق الأوسط» ينسجم، من الناحية السياسية والإعلامية، مع نمط الخطاب الذي يربط أمن العالم بقرار القيادة الأمريكية وحزمها.
رابعاً: التجريد الأخلاقي لتبرير خيار القوة
في أدبيات الإعلام السياسي، يُسهم وصف القيادات بـ«الشر» و«الجموح» في تجريد الطرف الآخر من المشروعية الدبلوماسية، بما يمنح الإدارة الأمريكية غطاءً أخلاقياً وسياسياً أمام الداخل والمجتمع الدولي لتجاوز أطر التفاوض التقليدية.
ومن هنا يصبح فرض العقوبات القاسية، أو ممارسة الضغوط القصوى، أو حتى الانتقال إلى العمليات العسكرية، خيارات يمكن تقديمها للرأي العام باعتبارها ضرورة لحماية الأمن والسلام.
خلاصة تحليلية
إن التشابه اللافت بين لغة ترامب اليوم ولغة الإدارة الأمريكية في مرحلة ما قبل غزو العراق يستحق التوقف والتحليل. فالمسألة ليست تطابقاً بين إيران والعراق، ولا تكراراً حرفياً للتاريخ، وإنما هي قراءة في استمرارية أدوات الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي عند الانتقال من مرحلة الضغط إلى مرحلة التهديد أو المواجهة.
تتغير الجغرافيا، وتتبدل الشخصيات والظروف، لكن بعض المفردات تبقى حاضرة: الفصل بين الشعب والقيادة، وتضخيم الخطر، وتجريم الخصم أخلاقياً، وتقديم الولايات المتحدة بوصفها القوة القادرة على منع الكارثة.
ولهذا كانت قراءة تجربة العراق، مدخلاً لفهم ما يجري اليوم في إيران. فنحن لا نزعم أن النهاية ستكون نسخة من نهاية العراق، لكننا نقرأ المؤشرات ونراقب اللغة التي تسبق التحولات الكبرى.
ولهذا، فإن من يريد فهم ما قد يحدث غداً في إيران، عليه ألا يكتفي بالنظر إلى طهران وحدها، بل عليه أن يعود أيضاً إلى بغداد عام 2003، ليس بحثاً عن نسخة مطابقة من الماضي، وإنما لفهم اللغة التي كثيراً ما تسبق التحولات الكبرى.
د. أيمن خالد
باحث في الإعلام السياسي والقانون الدولي

تعليقات
إرسال تعليق